تقنية وعلوم

ما الذي يجعل سويسرا ثريّة إلى هذا الحدّ؟

عندما نذكر سويسرا، فأول ما سيخطر في بالنا هو الشوكولا والساعات السويسرية الفاخرة، لكنّنا سنتذكر بعد ذلك بلا شكّ أنّ سويسرا تعد واحدة من أغنى الدول في العالم، حيث تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن البنك الوطني السويسري إلى امتلاك الفرد السويسري أملاكاً تعادل قيمتها 460 ألف فرنك سويسري في المتوسط، كما أنّ البلاد شهدت في العقدين الأخيرين زيادة بنسبة 53% في نسبة الأفراد البالغين الأثرياء في البلاد. يعدّ حوالي 800 ألف من السكان السويسريين -البالغ عددهم الإجمالي 9 مليون- مليونيرية، ما يجعل قرابة فرد من أصل كل 9 أفراد سويسريين من أصحاب الملايين، إضافة إلى ذلك، تسهم سويسرا وحدها في 1.7% من الأفراد الـ 1% الأغنى في العالم، على الرغم من أنّ عدد سكانها لا يشكل 0.1% من عدد سكان العالم الكلي! في مقالنا اليوم سنبحث في الأسباب التي تجعل بلداً صغيراً كسويسرا لا يمتلك الكثير من الثروات الطبيعية بهذا القدر من الثراء، فلنبداً:

التوجه نحو الصناعة والاعتماد على الإبداع:

على الرغم من أن سويسرا لا تعد من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، إلا أنّ ذلك لم يقف عائقاً في وجه اقتصادها الممتاز، حيث توجّهت البلاد بشكل باكر منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إلى تطوير الصناعة المحلية بشكل كبير، فالصناعة السويسرية لا تقتصر على الشوكولا والأجبان والساعات كما يظنّ البعض، بل إنّ واردات الصناعة الأساسية فيها تأتي في الواقع من الأدوية، المجوهرات، المواد الكيميائية، والآلات الكبيرة. على الرغم من اعتماد سويسرا نظام السوق الحر بشكل كبير إلا أنّها تقوم أيضاً بتشجيع الصناعات المحلية بشكل ممتاز، وتحثّ مواطنيها على الاعتماد عليها بدلاً عن البدائل المستوردة ذات الأسعار الأرخص، الأمر الذي أسهم في رفع قيمة منتجاتها الصناعية بشكل كبير.

الحياد والاستقرار السياسي:

تعدّ سياسة الحياد التي تتبعها سويسرا منذ زمن قديم عموداً أساسياً من أعمدة اقتصادها المستقرّ، حيث ساعدها هذا الحياد على تجنب الحروب  والآثار الاقتصادية المدمرة لها، والتي عانت منها جاراتها الأوروبية بشكل كبير خلال القرن الماضي، كما أنّ استقرار النظام السياسي فيها يدعم الاستقرار الاقتصادي، ويجعل منها وجهة للعديد من الأثرياء من حول العالم، والذين يرغبون في تخزين أموالهم وإنفاقها.

النظام البنكي والمصرفي:

لا يعدّ النظام البنكي في سويسرا العامل الوحيد في ثراء البلاد كما يظنّ الكثيرون، لكنّه بلا شكّ يمثل مفتاحاً هاماً استخدمته سويسرا في الوصول إلى حالة الرخاء الذي تعيشه، فمن المعروف عن سويسرا امتلاكها لنظام اقتصادي يتميّز بانخفاض الضرائب بشكل كبير، الأمر الذي يعد جاذباً بشكل كبير للشركات الأجنبية والأفراد الأثرياء من حول العالم الراغبين في استثمار أموالهم دون أن يضيع جزء كبير منها في الضرائب، كما يدعم هذا النظام من الناحية الأخرى نظام بنكي متين يقدّس سرية التعامل بين البنك والعميل، وعلى الرغم من أنّ هذا النظام قد سبب بعض المشكلات لسويسرا مع الدول الأخرى لاتهامهم إياها بمساعدة الأفراد على غسيل الأموال، إلا أنّها لا تبدي أي نية في الوقت القريب في التخلي عن هذه القوانين.

الميراث:

تتمتع سويسرا بنظام يسهّل التوريث من المالك الأساسي إلى الورثة بعد وفاته، وبما أنّ البلاد تعج بالمليارديرية -40 منهم تحديداً- والمليونيرية، فإنّ هذا العامل يعدّ محورياً بالنسبة للعديد منهم، لرغبتهم في حفظ الثروة الخاصة بهم ضمن العائلة دون أن تمتدّ لها يد الضرائب كما هو الحال في الكثير من الدول الأوروبية الأخرى.

Mostafa Musto

طالب طبّ وكاتب محتوى، مهتمّ بالمجالات العلمية والثقافية والفنّية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى